ابن تيميه
188
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وليا ، وأما احتجاب إنسي طول عمره عن جميع الإنس ؛ فهذا لم يقع ، بل هذا نعت الجن الذين قال اللّه فيهم : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] . والمسافرون إلى هذه الجبال إنما يسافرون إلى مأوى الشياطين ، وما يرونه من الخوارق هناك هو من إضلال الشياطين لهم ، كما تفعله الشياطين عند الأصنام ؛ فإنهم يضلّون عابديها بأنواع حتى قد يظن أن الصنم كلّمه ، وقد يظهرون للسدنة أحيانا كما كانوا في الجاهلية . وكذلك يوجد عند النصارى من هذا كثير ، وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا ؛ أن الصحابة كأبي سعيد الخدري ، وعبد اللّه بن عمر ، وبصرة بن أبي بصرة ؛ فهموا من الحديث شموله لغير المساجد كالطور ، وحديث بصرة معروف في السنن والموطأ ، قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور : لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت ، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا تعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » . وأما ابن عمر فروى أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب « أخبار المدينة » . حدّثنا ابن أبي الوزير حدّثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن طلق ، عن قزعة قال : أتيت ابن عمر فقلت : إني أريد الطور ؟ فقال : « لا ؛ إنما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، والمسجد الأقصى ، فدع عنك الطّور لا تأته » « 1 » رواه أحمد بن حنبل في « مسنده » . وهذا النهي من بصرة وابن عمر ، ثم موافقة أبي هريرة ؛ يدل على أنهم فهموا من حديث النبي صلى اللّه عليه وسلّم النهي ، فلذلك نهوا عنه ، لم يحملوه على مجرد نفي الفضيلة . وكذلك أبو سعيد الخدري وهو راوية أيضا وحديثه في الصحيحين ، فروى أبو زيد حدّثنا هشام بن عبد الملك حدّثنا عبد الحميد بن بهرام حدّثنا شهر بن حوشب ، سمعت أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور فقال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا ينبغي للمطي أن تشدّ رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » « 2 » . فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شدّ الرحال إليه ، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدّها إلى المساجد ، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه » ( 2 / 38 / 2 ) كما في « تحذير الساجد » والأزرقي في « تاريخ مكة » ( 2 / 445 ) . من طريق : سفيان به . وإسناده صحيح ، كما قال الألباني في « تحذير الساجد » ص 95 . ( 2 ) تقدم تخريجه في أول الكتاب .